عثمان بن جني ( ابن جني )

370

الخصائص

العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها ، وسعة تصرّف أقوالها . وقد يجوز أن تكون لغته في الأصل إحداهما ، ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى ، وطال بها عهده ، وكثر ( استعماله لها ) ، فلحقت - لطول المدّة واتصال استعمالها - بلغته الأولى . وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها فأخلق الحالين به في ذلك أن تكون القليلة في الاستعمال هي المفادة ، والكثيرة هي الأولى الأصليّة . نعم ، وقد يمكن في هذا أيضا أن تكون القلى منهما إنما قلّت في استعماله لضعفها في نفسه ، وشذوذها عن قياسه ، وإن كانتا جميعا لغتين له ولقبيلته . وذلك أن من مذهبهم أن يستعملوا من اللغة ما غيره أقوى في القياس منه ؛ ألا ترى إلى حكاية أبى العباس عن عمارة قراءته وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ [ يس : 40 ] بنصب النهار ، وأن أبا العباس قال له : ما أردت ؟ فقال : أردت " سابق النهار " قال أبو العباس فقلت له . فهلا قلته ؟ فقال : لو قلته لكان أوزن ؛ أي أقوى . فهذا يدلك على أنهم قد يتكلّمون بما غيره عندهم أقوى منه ، ( وذلك ) لاستخفافهم الأضعف ؛ إذ لولا ذلك لكان الأقوى أحقّ وأحرى ؛ كما أنهم لا يستعملون المجاز إلا لضرب من المبالغة ؛ إذ لولا ذلك لكانت الحقيقة أولى من المسامحة . [ وإذا كثر على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة فسمعت في لغة إنسان واحد فإن أخرى ذلك أن يكون قد أفاد أكثرها أو طرفا منها ؛ من حيث كانت القبيلة الواحدة لا تتواطأ في المعنى الواحد على ذلك كلّه . هذا غالب الأمر ، وإن كان الآخر في وجه من القياس جائزا . وذلك كما جاء عنهم في أسماء الأسد والسيف والخمر وغير ذلك ، وكما تنحرف الصيغة واللفظ واحد ] نحو قولهم : هي رغوة اللبن ، ورغوته ، ورغوته ، ورغاوته ، ورغاوته ، ورغايته . وكقولهم : الذروح ، والذرّوح ، والذّرّيح ، والذرّاح ، والذرّح ، والذرنوح ، والذرحرح ، والذرّحرح " 1 " ؛ روينا ذلك كله . وكقولهم : جئته من عل ، ومن عل ، ومن علا ، ومن علو ، ومن علو ، ومن علو ، ومن علو ، ومن عال ، ومن معال . فإذا أرادوا النكرة قالوا : من عل . وهاهنا من هذا ونحوه

--> ( 1 ) كل ذلك : دويبّة أعظم من الذباب شيئا مجزع مبرقش بحمرة وسواد وصفرة . اللسان ( ذرح ) .